عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

432

مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي

وقال بعض السَّلف : اعمل للدنيا عَلَى قدر مكثك فيها ، واعمل للآخرة عَلَى قدر مكثك فيها . وقال بعضهم : لابن آدم بيتان : بيتٌ عَلَى الأرض ، وبيتٌ في بطن الأرض ، فعمد إِلَى الَّذِي عَلَى وجه الأرض ، فزخرفه وزيّنه ، وجعل فيه أبوابًا للشمال ، وأبوابًا للجنوب ، ووضع فيه ما يصلحه لشتائه وصيفه ، ثُم عمد إِلَى الَّذِي في بطن الأرض فأخربه ؛ فَإِذَا قيل : هذا البيت الَّذِي أصلحته كم تقيم فيه ؟ قال : لا أدري . قِيلَ لَهُ : والذي أخربته كم تقيم فيه ؟ قال : فيه مقامي . قال : تقرُّ بهذا عَلَى نفسك وأنت رجلٌ تعقل ؟ ! كان عثمان بن أبي العاص - رضي الله عنه - في المقابر في جنازة ومعه شاب من أقاربه فيه بعض غفلة ، فَقَالَ عثمان : اطلع إِلَى بيتك ، فاطلع في القبر . فَقَالَ له : ما ترى ؟ قال : أرى بيتًا ضيقًا مظلمًا ، ليس فيه طعامٌ ولا شرابٌ ولا زوجة ، وقد تركت بيتًا فيه طعامٌ وشرابٌ وزوجة ، قال : فإن هذا والله بيتك . قال : صدقت ، أما والله لو رجعت نقلت من ذلك إِلَى هذا . قال الحسن : تبع رجلٌ من المسلمين جنازة أخيه ، فَلَمَّا دُلي في قبره قال الرجل : ما أرى تبعك من الدُّنْيَا إلا ثلاثة أثواب ، أما والله لقد تركتُ بيتي كثير المتاع ، أمَا والله إِن أقالني اللهُ حتى أرجع لأقدِّمنَّه بين يدي . قال : فرجع فقدمه - والله - بين يديه ، وكانوا يرون أنه كان عمر بن عبد العزيز . وكان ينشد هذه الأبيات كثيرًا : من كان حين تصيبُ الشمسُ جبهته . . . أو الغبارُ يخاف الشين والشَّعثا ويألف الظل كي تبقى بشاشته . . . فسوف يسكن يومًا راغمًا جدثا ( 1 )

--> ( 1 ) الجدث : القبر . " اللسان " مادة : ( جدث ) .